أمّهاتٌ كثيرات
بدأ محمد ﷺ حياته بلا أب، لكنه لم يكن يومًا بلا رعاية. فقد كان الأطفال في مكة كثيرًا ما تُرضعهم نساءٌ غير أمّهاتهم، وكانت الصلة التي يصنعها الرَّضاع تُعامَل كأنها صلة قرابة. وممّن أرضعته ثُوَيْبة. وبعد سنواتٍ طويلة قال: «أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ»، وأبو سَلَمة رضي الله عنه هو ابن عمّته، فصارا بذلك أخوين من الرَّضاعة. البخاري ٥١٠١
يذكر المؤرخونوكانت الأسر في مكة تحبّ أيضًا أن ترسل أطفالها إلى البادية، حيث الهواء أنقى، واللغة العربية أفصح. وتذكر كتب السيرة أنّ أشهر مُرضِعاته حَلِيمة، من قبيلة بني سَعْد، وقد أخذته ليعيش بين خيام قومها وقطعانهم في سنواته الأولى. ابن القيم، زاد المعاد ١/٨١–٨٢
اليوم الذي جرى فيه الأطفال
وفي يومٍ من الأيام، بينما كان محمد ﷺ يلعب مع الغلمان، أتاه جِبْرِيل عليه السلام، فأخذه وأضجعه على الأرض، وشقّ صدره، واستخرج قلبه، ثم استخرج منه عَلَقة (قطعةً من الدم المتجمّد)، وقال: «هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ». ثم غسل القلب في طَسْتٍ (إناءٍ) من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده إلى مكانه. مسلم ١٦٢
وجاء الغلمان يسعَون إلى مُرضِعته، يصيحون بأنّ محمدًا ﷺ قد قُتل. فلمّا وصل إليه الكبار وجدوه حيًّا، لكنّ لونه كان قد تغيّر وشحب. وقال أنس بن مالِك رضي الله عنه، راوي هذا الحديث، إنه كان يرى بعد ذلك بسنوات أثرَ الخياطة في صدر النبي ﷺ. مسلم ١٦٢
لقد كان الله يُعِدّه منذ طفولته لما ينتظره.
قبرٌ في الأبواء
يذكر المؤرخونلمّا بلغ نحو السادسة، أخذته أمّه آمِنة لزيارة أقاربه في يَثْرِب، البلدة التي ستُسمّى فيما بعد المدينة. وفي طريق العودة مرضت وماتت في مكانٍ يُسمّى الأَبْواء، ودُفنت هناك. فعادت بالطفل الصغير إلى مكة خادمةٌ شابّة من خدم الأسرة اسمها بَرَكة، وهي المعروفة بأمّ أَيْمَن رضي الله عنها. ابن القيم، زاد المعاد ١/٧٥–٧٦
ولم ينسَ أمّه أبدًا. فبعد سنواتٍ طويلة زار قبرها، فبكى وأبكى مَن حوله. مسلم ٩٧٦
وبقيت أمّ أيمن قريبةً منه طوال حياته. فلمّا صار رجلًا كان يزورها، وكانت تهتمّ به وتُلحّ عليه كما تفعل الأمّ مع ابنها. مسلم ٢٤٥٣ وبعد وفاته، ذهب أبو بكر وعمر رضي الله عنهما لزيارتها، «كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُهَا». فبكت، فلمّا سألاها عن سبب بكائها، قالت إنها لا تبكي لأنها تشكّ في أنّ ما عند الله خيرٌ له، ولكنها تبكي لأنّ الوحي قد انقطع من السماء. فبكى الرجلان معها. مسلم ٢٤٥٤
جدٌّ وعمّ
يذكر المؤرخونبعد وفاة أمّه، كفله جدّه عبد المُطَّلِب، سيّد بني هاشم وصاحب المكانة فيهم. وبعد سنتين، حين بلغ الصبيّ نحو الثامنة، مات عبد المطلب أيضًا، فصار عمّه أبو طالِب كافلَه. لم يكن أبو طالب غنيًّا، وكان له أولادٌ كثيرون، لكنه أحبّ ابن أخيه، وسيظلّ يحميه حتى آخر حياته. ابن القيم، زاد المعاد ١/٧٥–٧٦
وهكذا لم يبلغ الثامنة حتى فقد أباه وأمّه وجدّه. وسيُذكّره القرآن بذلك فيما بعد: ﴿أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ﴾الضحى: ٦ ذلك اليتيم الذي آواه الله سيكبر ليؤوي الأيتام. فقد علّم أنّ مَن يكفل اليتيم يكون معه في الجنة، فقال: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»، وأشار بإصبعيه متجاورتين. البخاري ٦٠٠٥
فتًى يرعى الغنم
ولمّا كبر بدأ يعمل. وقد أخبر أصحابه فيما بعد فقال: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلاَّ رَعَى الْغَنَمَ». فقال أصحابه: «وَأَنْتَ؟» فقال: «نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ» (القراريط: قطعٌ صغيرة من المال، أي: مقابل أجرٍ قليل). البخاري ٢٢٦٢
فكّر فيما يتعلّمه الراعي: عليه أن يصبر على الغنم حين تشرد، وأن يسهر حين ينام الناس، وأن يبحث عن الماء والعشب، وأن يحمي الضعيف منها من الخطر. كلّ ذلك مسؤولية، وأكثره يحدث حين لا يراه أحد.
لا بأس بالدموع
يظنّ بعض الناس أنّ المؤمن القويّ لا ينبغي أن يبكي أبدًا، لكنّ النبي ﷺ أرانا غير ذلك؛ فحين زار قبر أمّه بكى. مسلم ٩٧٦ وبعد ذلك بزمنٍ طويل، في المدينة، كان ابنه الرضيع إبراهيم يُحتضر بين يديه، فدمعت عيناه. مسلم ٢٣١٥ فقال له أحد الصحابة: «وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟» فأجابه بأنها رحمة، ثم قال:
«إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا».
الصبر لا يعني أن نكون بلا مشاعر، بل يعني ألّا نسمح للحزن بأن يدفعنا إلى قولٍ أو فعلٍ لا يُرضي الله.
أربعة أسئلة سريعة
مصادر هذا الفصل
- القرآن الكريم: الضحى ٦–٨.
- صحيح البخاري ١٣٠٣ (وفاة ابنه إبراهيم)، ٢٢٦٢ (رعي الغنم)، ٥١٠١ (ثويبة)، ٦٠٠٥ (كفالة اليتيم).
- صحيح مسلم ١٦٢ (شقّ صدره)، ٩٧٦ (زيارة قبر أمّه)، ٢٣١٥ (وفاة ابنه إبراهيم)، ٢٤٥٣–٢٤٥٤ (أمّ أيمن).
- أهل السير: ابن القيم، زاد المعاد ١/٧٥–٨٢ (حليمة، والأبواء، وجدّه، وأبو طالب).
- بحيرا: جامع الترمذي ٣٦٢٠؛ ابن حجر، الإصابة (رجاله ثقات، وذكر أبي بكر وبلال فيه خطأ)؛ وقبِل الألباني إسناده إلا ذكر بلال؛ وأنكره الذهبي.
للمعلّم: درس في ٤٥ دقيقة افتح
في نهاية الدرس يستطيع الطلاب أن: يذكروا بالترتيب الذين رعَوا النبي ﷺ؛ ويشرحوا ما يعنيه الصبر وما لا يعنيه؛ ويبيّنوا لماذا نتعامل مع قصة بحيرا بحذر.
الكلمات المفتاحية: يتيم، صبر، بنو، المُرضِعة.
| الخطوة | الدقائق | ما يحدث |
|---|---|---|
| التمهيد | ٥ | اسأل: «مَن سيعتني بك لو…؟» وكن رفيقًا في طرح السؤال؛ فقد يكون بين الطلاب مَن فقد أحد والديه. |
| الكلمات المفتاحية | ٥ | علّم: يتيم، صبر، بنو. |
| القصة | ١٥ | اقرأ المشاهد الأربعة الأولى. ارسم على السبورة «دائرة الرعاية»، وأضف إليها كلّ شخصٍ عند ظهوره في القصة. |
| الراعي | ٦ | اكتبوا قائمةً بما يجب على الراعي أن يفعله. أيّ هذه الأمور من مهارات القيادة؟ |
| فكِّر وناقِش | ١٠ | السؤال ٣: هل البكاء ضعف؟ استعن بحديث البخاري ١٣٠٣. |
| بطاقة الخروج | ٤ | «اختبر نفسك»، الأسئلة ١–٣. |
نسخة الثلاثين دقيقة: اقرأ المشاهد ١ و٣ و٥.
ملاحظات للمعلم
- انتبه لمشاعر الطلاب الأيتام أو من فقدوا عزيزًا؛ لا تطلب من أحد أن يحكي عن فقده.
- حادثة شق الصدر ثابتة في صحيح مسلم (١٦٢) من حديث أنس، أما تفاصيل رحلة حليمة وبركاتها فمن روايات أهل السير.
- قصة بحيرا الراهب: عند الترمذي (٣٦٢٠) وقال حسن غريب، واختلف العلماء فيها، وأنكر الذهبي ذكر أبي بكر وبلال فيها؛ فلا تُروى على أنها ثابتة.
- الربط العملي: رعي الغنم = مسؤولية وصبر ورحمة بالضعيف.
- النطق: ثُوَيْبة، حَليمة السَّعْدية، الأبْواء، أم أيْمَن.
