أربعون عامًا
كان مُحَمَّدٌ ﷺ في الأربعين من عمره حين بدأ ينزل عليه الوحي. وبعد ذلك سيبقى في مكة ثلاثَ عشرةَ سنة، ثم عشرَ سنين في المدينة، وتُوُفِّي وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنة. البخاري ٣٩٠٢
وكانت عبادتُه في غار حِرَاء قد صارت في ذلك الوقت جزءًا من حياته؛ يحمل معه الطعام والماء ويصعد الجبل، ويبقى ليالي كثيرة يعبد الله، ثم ينزل إلى خَدِيجَةَ رضي الله عنها، فيأخذ زادًا جديدًا، ثم يعود إلى الغار. البخاري ٣
ويخبرنا القرآن متى بدأ ذلك كلُّه: فقد أُنزِل في شهر رمضان. البقرة: ١٨٥ وأخبر النبي ﷺ فيما بعد أنّ اليوم الذي نزل عليه فيه الوحي أوّلَ مرة كان يومَ الاثنين. مسلم ١١٦٢
«مَا أَنَا بِقَارِئٍ»
وبينما هو في الغار، جاءه المَلَك فقال: «اقْرَأْ».
فقال: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، أي: لا أعرف القراءة؛ فقد كان لا يقرأ ولا يكتب.
فأخذه المَلَك وضمَّه إليه ضمًّا شديدًا حتى كاد لا يحتمل، ثم أطلقه وقال مرةً أخرى: «اقْرَأْ».
فقال: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ».
فضمَّه المَلَك مرةً ثانية، ثم أطلقه وقال: «اقْرَأْ». فأجاب للمرة الثالثة: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ». فضمَّه المَلَك مرةً ثالثة، ثم أطلقه وقال: البخاري ٣البخاري ٤٩٥٣
﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٢ ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٣ ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ ٤ عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ﴾
كانت هذه أوّلَ آياتٍ تنزل من القرآن. والمَلَك هو جِبْرِيلُ عليه السلام، وهو المَلَك نفسُه الذي كان ينزل بالوحي على الأنبياء من قبل. لقد بدأ الوَحْي.
لاحِظْ ما الكلمة الأولى التي نزلت: لم تكن «صَلِّ»، ولا «قاتِلْ»، ولا «أَطِعْ»، بل كانت «اقْرَأْ». والآيات الأولى تتحدّث عن القلم وعن العلم. فالدِّين الذي بدأ بكلمة «اقْرَأْ» دينُ علمٍ وتعلُّم.
«زَمِّلُونِي»
نزل من الجبل وقلبُه يرجف، ودخل على خَدِيجَةَ فقال: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي»، أي: غطُّوني. فغطَّوه حتى ذهب عنه الخوف، ثم أخبرها بكل ما حدث، وقال: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي». البخاري ٣
لم تفزع خديجة، ولم تشكّ في صدقه، بل أجابته بكلماتٍ يتذكّرها كلُّ مسلم:
«كَلاَّ وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ»
تأمَّلْ أسبابها: لم تقل له إنك غنيّ، ولا إنك قويّ، بل عدَّدت الطرق التي كان يرعى بها الناس: يَصِل أقاربه، ويحمل عن الضعيف همَّه، ويعطي من لا يملك شيئًا، ويُكرم ضيفه، ويُعين الناس في كل شدّة. كانت تعرفه أكثرَ من أيّ أحد، وكانت تعلم أنّ الله لا يتخلّى عن إنسانٍ هذه صفاتُه.
الشيخ الذي عرف
ثم انطلقت خَدِيجَةُ به إلى ابن عمّها وَرَقَةَ بنِ نَوْفَلٍ. وكان ورقةُ شيخًا كبيرًا قد عَمِيَ، وكان قد تنصَّر قبل الإسلام، وكان يقرأ الكتب السماوية السابقة. البخاري ٣
قالت خديجة: «يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ». فأخبره النبي ﷺ بما رأى، فقال ورقة: «هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى»، يعني: هذا هو المَلَك نفسُه الذي أرسله الله بالوحي إلى مُوسَى عليه السلام. ثم قال: «يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ»، أي: ليتني كنتُ شابًّا قويًّا حين يُخرجك قومك.
فسأله النبي ﷺ: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟»
قال ورقة: «نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا»، أي: إن عشتُ حتى أرى ذلك اليوم نصرتُك بكل ما أملك من قوّة. البخاري ٣
لكنّ ورقة لم يلبث أن تُوُفِّي. وكانت كلماته إنذارًا: فالرجل الذي كان الناس جميعًا يسمّونه «الأمين» سيُتَّهَم قريبًا بالكذب.
فترة الوحي، ثم ﴿قُمۡ فَأَنذِرۡ﴾
ثم انقطع الوحي مدّةً من الزمن، ولا توجد روايةٌ صحيحة تُخبرنا كم كانت مدّتُه بالضبط. البخاري ٣
وفي يومٍ من الأيام، بينما كان النبي ﷺ يمشي، سمع صوتًا من السماء، فرفع بصره، فإذا المَلَك الذي جاءه في حِرَاء جالسٌ على كرسيٍّ بين السماء والأرض. فخاف منه، ورجع إلى بيته وقال: «زَمِّلُونِي». فأنزل الله تعالى: البخاري ٤
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ ١ قُمۡ فَأَنذِرۡ ٢ وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ ٣ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ ٤ وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ﴾
وبعد ذلك تتابع الوحي، ينزل جزءًا بعد جزء. البخاري ٤ لقد انتهى زمنُ العبادة الهادئة في عزلة الغار، وصار عليه الآن أن يقوم.
كتابٌ نزل مُفرَّقًا
لم ينزل القرآن دفعةً واحدة، بل أنزله الله مُفرَّقًا على مدى ثلاثٍ وعشرين سنة، ليُقرَأ على الناس على مَهَلٍ ويتعلّموه جيدًا. الإسراء: ١٠٦ وكثيرًا ما كانت الآيات الجديدة تنزل في اللحظة التي يحتاج إليها الناس: في وقت شدّة، أو جوابًا عن سؤال، أو تصحيحًا لخطأ. وسترى هذا يتكرّر مرةً بعد مرة في هذا الكتاب.
ولم يكن هو نفسُه يقرأ أو يكتب قبل نزول القرآن، والقرآن يشير إلى ذلك دليلًا على أنه لم ينقله من أيّ كتاب. العنكبوت: ٤٨
أربعة أسئلة سريعة
مصادر هذا الفصل
- القرآن الكريم: البقرة ١٨٥؛ الإسراء ١٠٦؛ العنكبوت ٤٨؛ المدثر ١–٥؛ العلق ١–٥.
- صحيح البخاري ٣ و٤٩٥٣ (حديث عائشة: بدء الوحي، وخديجة، وورقة)، و٤ (حديث جابر: فترة الوحي ونزول المدثر)، و٣٩٠٢ (عمره عند البعثة).
- صحيح مسلم ١١٦٢ (نزول الوحي يوم الاثنين).
- زيادة رؤوس الجبال: من بلاغات الزهري في صحيح البخاري ٦٩٨٢؛ وقد بيّن ابن حجر في فتح الباري أنها ليست من الحديث الموصول.
للمعلّم: درس في ٤٥ دقيقة افتح
في نهاية الدرس يستطيع الطلاب أن: يرووا قصة بدء الوحي بترتيبها؛ ويشرحوا الأسباب الخمسة التي ذكرتها خديجة؛ ويبيّنوا لماذا تعني الكلمة الأولى الكثيرَ للمسلمين بوصفهم طلّابَ علم.
الكلمات المفتاحية: الوحي، اقرأ، المدثر.
| الخطوة | الدقائق | ما يحدث |
|---|---|---|
| التمهيد | ٥ | اكتب «اقْرَأْ!» على السبورة، واسأل: «ما الكلمة التي تتوقّع أن تكون أوّلَ كلمةٍ في كتابٍ مقدّس؟» |
| الكلمات المفتاحية | ٥ | علِّم الكلمات: الوحي، اقرأ، المدثر. |
| القصة | ١٥ | اقرأ المشاهد من ٢ إلى ٤. توقّف بعد كلمات خديجة، ودَوِّنوا أسبابها الخمسة. |
| القرآن | ٨ | استمعوا إلى سورة العلق (١–٥) عبر زر «استمع إلى التلاوة». يبحث الطلاب عن كلمتي «القلم» و«علَّم». |
| فكِّر وناقِش | ٨ | السؤال ٣: «من الأشياء التي أريد أن أتعلّمها… لأنّ…» |
| بطاقة الخروج | ٤ | «اختبر نفسك»، الأسئلة ١–٣. |
نسخة الثلاثين دقيقة: اقرأ المشهدين ٢ و٣ فقط.
ملاحظات للمعلم
- قصة بدء الوحي كلها في صحيح البخاري (٣، ٤٩٥٣) من حديث عائشة، وحديث الفترة ونزول المدثر من حديث جابر (البخاري ٤).
- زيادة «همّه بالتردي من رؤوس الجبال» من بلاغات الزهري، وليست من الحديث الموصول، كما بيّن ابن حجر في الفتح؛ لا تُروى على أنها ثابتة.
- ركّز على كلمات خديجة: صفات النبي ﷺ قبل النبوة كانت خدمة الناس، وهذا درس عملي للطلاب.
- النطق: غار حِراء، وَرَقة بن نَوْفَل، اقْرَأ، المُدَّثِّر.
