دائرةٌ صغيرة جدًّا
بدأت الدعوة في هدوء البيوت. وكانت خَدِيجَةُ رضي الله عنها أوّلَ من وقف إلى جانب النبي ﷺ، ثم تبعها آخرون، واحدًا بعد واحد.
وقد تذكّر عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ رضي الله عنهما تلك الأيام، فقال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَا مَعَهُ إِلاَّ خَمْسَةُ أَعْبُدٍ وَامْرَأَتَانِ، وَأَبُو بَكْرٍ». البخاري ٣٨٥٧ فكِّرْ في هذا: الدِّين الذي يتّبعه اليوم قرابةُ مِلْيارَيْ إنسان بدأ بعددٍ قليل من الناس، أكثرُهم فقراء أو عبيد.
ويُسمّى هؤلاء المؤمنون الصَّحَابة، أي: أصحاب النبي ﷺ.
أبو بكر
كان أبو بَكْرٍ رضي الله عنه تاجرًا ناجحًا. فلمّا أخبره صديقُ عمره، النبي ﷺ، بالوحي، صدّقه في الحال. وبعد ذلك بسنوات، حين وقع خلافٌ بين أبي بكر وغيره، دافع عنه النبي ﷺ فقال: «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ»، أي: نصرني وأعانني بنفسه وماله. البخاري ٣٦٦١
وأنفق أبو بكر مالَه في عتق المؤمنين من العبيد الذين كانوا يُعذَّبون بسبب إيمانهم، ومنهم بِلَالٌ رضي الله عنه. وكان عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه يقول فيما بعد: «أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا»، يعني بلالًا. البخاري ٣٧٥٤ فالعبد الذي كان يُضرَب في شوارع مكة سمّاه «سيِّدَنا» الرجلُ الذي سيصبح الخليفةَ الثاني.
عليٌّ وزيد
نشأ صبيّان في بيت النبي ﷺ. أحدهما ابنُ عمّه الصغير عَلِيُّ بنُ أبي طَالِبٍ رضي الله عنه، ويذكر المؤرخون أنه ضمّه إليه ليُخفّف عن عمّه أبي طالب. وكان عليٌّ من أوائل من آمنوا، بل قال الصحابي زَيْدُ بنُ أَرْقَمَ رضي الله عنه إنه أوّلُ من أسلم. وقال آخرون إنّ أبا بكر هو الأوّل، وقد جمع العلماء بين القولين: فأبو بكر أوّلُ من أسلم من الرجال، وعليٌّ أوّلُ من أسلم من الصبيان. الترمذي ٣٧٣٥
والآخر زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ رضي الله عنه، ويذكر المؤرخون أنه جيء به إلى مكة عبدًا. فأعتقه النبي ﷺ وعامله كأنه ابنُه، حتى صار الناس يدعونه «زَيْدَ ابْنَ مُحَمَّدٍ»، إلى أن نزلت بعد ذلك آيةٌ من القرآن تأمر بأن يُنسَب الأبناء بالتبنّي إلى آبائهم الحقيقيين. البخاري ٤٧٨٢الأحزاب: ٥ وهو غيرُ زيد بن عمرو الذي تعرّفتَ إليه في الفصل ٣.
«أَنَا نَبِيٌّ»
كانت الأخبار تنتقل مع القوافل. وكان رجلٌ اسمه عَمْرُو بنُ عَبَسَةَ رضي الله عنه قد أيقن أنّ عبادة الأصنام باطلة، فسمع برجلٍ في مكة يأتي بأخبارٍ من السماء. فركب راحلته حتى قدم مكة، فوجد النبي ﷺ مستخفيًا عن الأنظار، لأنّ قومه كانوا يضيّقون عليه.
قال عمرو: «مَا أَنْتَ؟»
«أَنَا نَبِيٌّ».
«وَمَا نَبِيٌّ؟»
«أَرْسَلَنِي اللَّهُ».
«وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟»
«أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَكَسْرِ الأَوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ لاَ يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ». مسلم ٨٣٢
قال عمرو: «فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟» فجاءه الجواب: «حُرٌّ وَعَبْدٌ»، وكان معه يومئذٍ أبو بكر وبلال. وأراد عمرو أن يبقى معه، لكنّ النبي ﷺ أخبره أنّ ذلك شديدُ الخطر الآن، وأمره أن يرجع إلى أهله، ثم يأتيه إذا سمع أنّ أمره قد ظهر وقوي. ففعل عمرو ذلك تمامًا، وبعد سنواتٍ جاء إلى المدينة. مسلم ٨٣٢
المسافر الذي خاف أن يسأل
وسمع أبو ذَرٍّ رضي الله عنه، من قبيلة غِفَار التي تسكن البادية، بهذا الخبر أيضًا. فأرسل أخاه ليعرف المزيد، فعاد أخوه وقال إنّ الرجل الذي في مكة يأمر بمكارم الأخلاق، ويقرأ كلامًا ليس بالشِّعر. لكنّ ذلك لم يكفِ أبا ذر، فأخذ زادًا وماءً، وذهب بنفسه. البخاري ٣٨٦١
وفي مكة لم يكن يعرف النبي ﷺ، وخاف أن يسأل عنه، لأنّ الناس كانوا معادين للدعوة. فنام في المسجد. فرآه عليٌّ وعرف أنه غريب، فأخذه في هدوءٍ إلى بيته ضيفًا، دون أن يسأله عن شيء. وتكرّر ذلك ثلاثة أيام. ثم سأله عليٌّ أخيرًا عن سبب مجيئه، فأخذ عليه أبو ذر عهدًا أن يكتم سرّه، ثم أخبره. فقال عليّ: «فَإِنَّهُ حَقٌّ، وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتْبَعْنِي، فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتْبَعْنِي»، أي: إن رأيتُ خطرًا توقّفتُ كأنّي أقضي حاجتي، وإن واصلتُ المشي فاتبعني. البخاري ٣٨٦١البخاري ٣٥٢٢
فتبع أبو ذرّ عليًّا حتى دخل معه، وسمع من النبي ﷺ، وأسلم في مكانه. فأمره النبي ﷺ أن يرجع إلى قومه، ويكتم أمره حتى يسمع المزيد. لكنّ أبا ذر لم يستطع أن يكتم ما في قلبه، فذهب مباشرةً إلى الكعبة، وأعلن بأعلى صوته أنْ لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا ﷺ رسولُ الله. فقام إليه الناس وضربوه حتى أوقعوه أرضًا، إلى أن جاء العَبَّاسُ رضي الله عنه، عمُّ النبي ﷺ، فألقى بنفسه عليه وقال: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارِكُمْ إِلَى الشَّأْمِ؟»، يعني أنّ قوافل تجارتهم إلى الشام تمرّ بديار غفار. البخاري ٣٨٦١البخاري ٣٥٢٢
النداء من فوق الصفا
ثم أمر الله تعالى: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ﴾الشعراء: ٢١٤ لقد انتهى وقتُ السرّية.
فصعد النبي ﷺ على الصَّفَا، وهو تلٌّ قرب الكعبة، وجعل ينادي بطون قُرَيْشٍ بأسمائها حتى اجتمعوا، ومن لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما الخبر. ثم سألهم سؤالًا:
«أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟»
قالوا: «نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلاَّ صِدْقًا»، أي: لم نعرف عنك إلا الصدق.
قال: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ»، أي: أُنذركم قبل أن يأتيكم عذابٌ شديد. البخاري ٤٧٧٠
لقد اختار كلماته بحكمة: بدأ بالأمر الوحيد الذي يتّفقون عليه جميعًا، وهو أنه لم يكذب قطّ، ثم بلّغهم الرسالة.
الإيمان لا يُورَث
فصاح عمُّه أبو لَهَبٍ: «تَبًّا لَكَ، مَا جَمَعْتَنَا إِلاَّ لِهَذَا!»، أي: هلاكًا لك! أَمِن أجل هذا جمعتنا؟ البخاري ٤٩٧١ فأنزل الله سورةً تردّ عليه: ﴿تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبَّ ١ مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ﴾المسد: ١–٢
وبيّن النبي ﷺ أنّ القرابة لا تُنجي أحدًا. فنادى بطون قريش، ونادى عمّته صَفِيَّةَ رضي الله عنها، وابنته فَاطِمَةَ رضي الله عنها، فقال: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»، أي: لا أملك أن أُنقذكِ من عذاب الله. البخاري ٢٧٥٣ فكلُّ إنسانٍ يقف بين يدي الله مسؤولًا عن اختياراته.
أربعة أسئلة سريعة
مصادر هذا الفصل
- القرآن الكريم: الشعراء ٢١٤–٢١٦؛ الأحزاب ٥؛ المسد ١–٥.
- صحيح البخاري ٢٧٥٣ (إنذار أهله)، و٣٥٢٢ (أبو ذر يروي قصته)، و٣٦٦١ (تصديق أبي بكر له)، و٣٧٥٤ (عتق بلال)، و٣٨٥٧ (عمّار)، و٣٨٦١ (أبو ذر)، و٤٧٧٠ و٤٩٧١ (الصفا وأبو لهب)، و٤٧٨٢ (زيد).
- صحيح مسلم ٨٣٢ (عمرو بن عبسة).
- جامع الترمذي ٣٧٣٥ (قول زيد بن أرقم في علي؛ وصحّح إسنادَه الألباني).
- قصة الطعام: رواها الطبري وغيره، وانتقدها ابن كثير في البداية والنهاية.
للمعلّم: درس في ٤٥ دقيقة افتح
في نهاية الدرس يستطيع الطلاب أن: يذكروا خمسةً من أوائل المؤمنين؛ ويرووا قصة النداء من فوق الصفا؛ ويشرحوا لماذا بدأ النبي ﷺ بما يثق به الناس.
الكلمات المفتاحية: الصحابة، الدعوة، السابقون.
| الخطوة | الدقائق | ما يحدث |
|---|---|---|
| التمهيد | ٥ | اسأل: «لو سخر الجميع من فكرةٍ جديدة، هل ستستمع إليها مع ذلك؟» |
| الكلمات المفتاحية | ٥ | علِّم الكلمات: الصحابة، الدعوة، السابقون. |
| القصة | ١٥ | اقرأ قصة أبي ذر بصوتٍ مسموع على أجزاء، ويتوقّع الطلاب ما سيحدث بعد كل وقفة. |
| الصفا | ٨ | اقرأ «النداء من فوق الصفا»، وناقشوا ترتيب كلماته. |
| فكِّر وناقِش | ٨ | السؤال ٣: هل كان اختيار أبي ذر حكيمًا؟ لا توجد إجابة واحدة صحيحة؛ اطلب من الطلاب أن يذكروا أسبابهم. |
| بطاقة الخروج | ٤ | «اختبر نفسك»، الأسئلة ١–٣. |
نسخة الثلاثين دقيقة: اقرأ «دائرةٌ صغيرة جدًّا» و«النداء من فوق الصفا» فقط.
ملاحظات للمعلم
- قصة دعوة بني عبد المطلب على الطعام واستخلاف علي: في أسانيدها رواة متروكون، فلا تُذكر للطلاب على أنها ثابتة.
- الخلاف في أول من أسلم: جمع العلماء بأن أول الرجال أبو بكر، وأول الصبيان علي، وأول النساء خديجة.
- قصة أبي ذر في البخاري (٣٨٦١) جميلة للتمثيل الصوتي بدون تقمّص الصحابة: الطالب «راوٍ» يحكي.
- النطق: عَمْرو بن عَبَسَة، أبو ذَرّ الغِفاري، الصَّفا، أبو لَهَب.
