قيام الليل
قبل أن يبدأ الصراع العلني حول الرسالة، كان المؤمنون يتربّون في الخفاء. فقد قال الله تعالى للنبي ﷺ: ﴿قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا ٢ نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا ٣ أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا ٤ إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا﴾المزمل: ٢–٥
وقد بيّنت عَائِشَةُ رضي الله عنها أنّ قيام الليل كان في أول الأمر فرضًا على النبي ﷺ وأصحابه، فقاموا الليل سنةً كاملة. ثم أنزل الله آخرَ السورة نفسها بالتخفيف، فصار قيامُ الليل تطوّعًا بعد أن كان فريضة. مسلم ٧٤٦
سنةٌ كاملة من القيام في الليل! كانت تلك مرحلةَ الإعداد لما هو آتٍ.
دارٌ قرب الصفا
يذكر المؤرخونكان لأحد المؤمنين الأوائل، وهو الأَرْقَمُ بنُ أبي الأَرْقَمِ رضي الله عنه، دارٌ قرب جبل الصَّفَا. ويذكر المؤرخون أنّ النبي ﷺ اتّخذها مكانًا هادئًا للاجتماع، يتعلّم فيه المؤمنون ويصلّون بعيدًا عن أعين قريش. الذهبي، سير أعلام النبلاء ٢/٤٧٩
«لأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ»
كان أبو جَهْلٍ من أشدّ أعداء الإسلام. فلمّا سمع أنّ محمدًا ﷺ يصلّي علنًا عند الكعبة، ويضع وجهه على التراب ساجدًا، أقسم بأصنامه وقال: «لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ»، أي: لأدوسنّ على رقبته. مسلم ٢٧٩٧
فجاء والنبي ﷺ يصلّي، وتقدّم نحوه، ثم فجأةً رجع على عقبيه وهو يحمي نفسه بيديه. فلمّا سأله الناس عمّا حدث، قال: «إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلاً وَأَجْنِحَةً»، والهَوْل: الأمر المُفزِع. وأخبر النبي ﷺ أنه لو اقترب منه لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا. مسلم ٢٧٩٧البخاري ٤٩٥٨
وأنزل الله فيه: ﴿أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يَنۡهَىٰ ٩ عَبۡدًا إِذَا صَلَّىٰٓ﴾ وتُختَم السورة بقوله تعالى: ﴿كـَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب۩﴾العلق: ٩–١٩
قذرٌ على ظهره
وذات مرة، بينما كان النبي ﷺ ساجدًا عند الكعبة، وحوله رجالٌ من قريش، جاء عُقْبَةُ بنُ أبي مُعَيْطٍ بقاذورات ناقةٍ مذبوحة، فألقاها على ظهره. فبقي النبي ﷺ ساجدًا لا يرفع رأسه، حتى جاءت ابنته الصغيرة فَاطِمَةُ رضي الله عنها مسرعةً، فأزالت ذلك عنه، ثم أقبلت على الرجال الذين فعلوه. البخاري ٣٨٥٤
ومرةً أخرى، لفّ عقبةُ ثوبه على عنق النبي ﷺ وهو يصلّي، وخنقه خنقًا شديدًا. فأقبل أبو بَكْرٍ رضي الله عنه مسرعًا، ودفع عقبة عنه، وقال بكلمات القرآن: ﴿أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ﴾البخاري ٣٨٥٦غافر: ٢٨
دَينُ الحدّاد
لم يكن الضغط بالضرب وحده. فقد كان خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ رضي الله عنه حدّادًا، وكان له دَينٌ على رجلٍ غنيّ هو العَاصُ بنُ وَائِلٍ. فلمّا طالبه خبّاب بماله، قال العاص: «لاَ أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ».
فقال خبّاب: «لاَ أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ، ثُمَّ تُبْعَثَ»، أي: لن أكفر به أبدًا.
فقال العاص ساخرًا: «دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ وَأُبْعَثَ، فَسَأُوتَى مَالاً وَوَلَدًا فَأَقْضِيَكَ». البخاري ٢٠٩١ فردّ عليه القرآن: ﴿أَطَّلَعَ ٱلۡغَيۡبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا﴾مريم: ٧٧–٨٠
«أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟»
كان خبّاب وغيره يتعرّضون لعذابٍ شديد. فجاؤوا يومًا إلى النبي ﷺ وهو مستريحٌ في ظلّ الكعبة، متوسّدٌ بُردةً له، فقالوا: «أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟»، أي: ألا تطلب لنا النصر من الله؟ البخاري ٣٦١٢
فجلس وقد احمرّ وجهه، وذكّرهم بأنّ المؤمنين قبلهم عُذِّبوا بأشدّ من ذلك بكثير، فلم يتركوا دينهم. البخاري ٣٨٥٢ ثم وعدهم وعدًا:
«وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ»
لم يكونوا يرون ذلك يومئذٍ، ولكن في أقلّ من عشرين سنة صارت جزيرة العرب كلُّها آمنةً على هذا النحو تمامًا.
بلال وسُمَيَّة
كان أشدَّ المؤمنين معاناةً مَن لم تكن لهم قبيلةٌ قوية تحميهم. ومنهم بِلَالٌ رضي الله عنه، وكان عبدًا إفريقيًّا، فاشترى أبو بكر حرّيته. البخاري ٣٧٥٤
يذكر المؤرخونذكر المؤرخون الأوائل أنّ سُمَيَّةَ، أمَّ عمّارِ بنِ ياسرٍ رضي الله عنهم، هي أوّلُ نفسٍ قُتلت في الإسلام بسبب إيمانها، وقد قتلها أبو جهل. ورواه ابنُ حَجَرٍ عن العالِم المتقدّم مُجَاهِدٍ بإسنادٍ صحيح. ابن حجر، الإصابة ٨/١١٤ والشَّهِيد هو مَن قُتل في سبيل الله، وأوّلُ مَن استُشهد في الإسلام امرأة.
أمٌّ تُضرِب عن الطعام
وأحيانًا كان الضغط يأتي من أحبّ الناس إليك. فحين أسلم سَعْدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ رضي الله عنه، حلفت أمُّه ألّا تكلّمه، ولا تأكل ولا تشرب، حتى يترك دينه، وقالت له: «زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ، وَأَنَا أُمُّكَ، وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا»، أي: تقول إنّ الله أوصاك بوالديك، وأنا أمّك، وأنا آمرك بترك دينك. وبعد ثلاثة أيام أُغمي عليها من الجَهد والجوع. مسلم ١٧٤٨
فأنزل الله الجواب، وهو يجمع أمرين معًا: لا تُطِعْ والديك إن أمراك بأن تعبد غير الله، ﴿وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ﴾لقمان: ١٥العنكبوت: ٨ ثباتٌ في الإيمان، ولُطفٌ في الأخلاق. وقد علّمنا النبي ﷺ: «إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ»، أي: جمّله وزيّنه. مسلم ٢٥٩٤
القارئ البكّاء
حتى أبو بكر، التاجر المحترم، ضاقت به الحال. فخرج من مكة يريد أرض الحَبَشَة. وفي الطريق لقيه سيّدٌ من سادة العرب اسمه ابنُ الدُّغُنَّة، فتعجّب وقال: «فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لاَ يَخْرُجُ وَلاَ يُخْرَجُ، إِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ»، أي: مثلك لا يَترك بلده ولا يُطرَد منه؛ فأنت تُعطي الفقير، وتَصِل أقاربك، وتحمل عن الناس أثقالهم، وتُكرم الضيف، وتُعين الناس في الشدائد. ثم أعاده إلى مكة في جِواره، أي: في حمايته. البخاري ٣٩٠٥
فقبلت قريشٌ ذلك بشرطٍ واحد: أن يصلّي أبو بكر داخل بيته فقط. ففعل ذلك مدّةً، ثم بنى مُصلًّى صغيرًا في فِناء داره المكشوف، وصار يقرأ فيه القرآن. وكان يبكي إذا قرأ، فيجتمع نساء الحيّ وأولادهم ينظرون إليه ويستمعون. فخافت قريش. فلمّا طلب منه ابن الدُّغُنَّة أن يتوقّف أو يردّ إليه جِواره، قال أبو بكر: «فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». البخاري ٣٩٠٥
لاحِظْ أنّ ابن الدُّغُنَّة وصف أبا بكر بالكلمات نفسها تقريبًا التي وصفت بها خديجةُ النبيَّ ﷺ في الفصل ٤. فالخُلُق الحسن يعرفه حتى من لا يشاركون صاحبه دينه.
أربعة أسئلة سريعة
مصادر هذا الفصل
- القرآن الكريم: مريم ٧٧–٨٠؛ العنكبوت ٢–٣، ٨؛ لقمان ١٥؛ غافر ٢٨؛ المزمل ٢–٥؛ العلق ٩–١٩.
- صحيح البخاري ٢٠٩١ (دَين خبّاب)، و٣٦١٢ (شكوى خبّاب)، و٣٧٥٤ (بلال)، و٣٨٥٢ (خبّاب: احمرار وجهه)، و٣٨٥٤ (فاطمة تُزيل القذر)، و٣٨٥٦ (عقبة يخنقه)، و٣٩٠٥ (أبو بكر وابن الدغنة)، و٤٩٥٨ (تهديد أبي جهل).
- صحيح مسلم ٧٤٦ (قيام الليل سنةً كاملة)، و١٧٤٨ (أمّ سعد)، و٢٥٩٤ (الرفق)، و٢٧٩٧ (رجوع أبي جهل).
- المؤرخون: الذهبي، سير أعلام النبلاء ٢/٤٧٩ (الأرقم)؛ ابن حجر، الإصابة ٨/١١٤ (سمية، عن مجاهد بإسنادٍ صحيح).
للمعلّم: درس في ٤٥ دقيقة افتح
في نهاية الدرس يستطيع الطلاب أن: يصفوا ثلاثة أنواع من الضغط على المؤمنين الأوائل؛ ويشرحوا وعد النبي ﷺ لخبّاب؛ ويبيّنوا كيف كان سعدٌ ثابتًا ولطيفًا في الوقت نفسه.
الكلمات المفتاحية: الثبات، الشهيد، قيام الليل.
| الخطوة | الدقائق | ما يحدث |
|---|---|---|
| التمهيد | ٥ | اعرض الصورة الرئيسية في أول الفصل واسأل: «ماذا تلاحظ في شقّ الصخرة؟» (النبتة الصغيرة). |
| الكلمات المفتاحية | ٥ | علِّم الكلمات: الثبات، الشهيد، قيام الليل. |
| القصة | ١٥ | اقرأ المشاهد ٣ و٤ و٦ و٨. |
| التصنيف | ٨ | يصنّف الطلاب القصص إلى: «ضغطٌ على العبادة»، و«ضغطٌ في المال»، و«ضغطٌ في البيت». |
| فكِّر وناقِش | ٨ | السؤال ٣، مع بداية الجملة: «سأقول لصديقي…» |
| بطاقة الخروج | ٤ | «اختبر نفسك»، الأسئلة ١–٣. |
نسخة الثلاثين دقيقة: اقرأ المشهدين ٦ و٨ فقط.
ملاحظات للمعلم
- تجنّب التفاصيل المؤلمة في التعذيب، فهي غالبًا من روايات ضعيفة أو متأخرة، والهدف تعليم الثبات لا إثارة الخوف.
- استشهاد سمية: ذكره ابن حجر في الإصابة عن مجاهد بإسناد صحيح إليه، وهو مرسل؛ يُقدَّم على أنه من أخبار أهل السير.
- الربط العملي: «لكنكم تستعجلون» (البخاري ٣٦١٢) درس في الصبر على الأهداف الطويلة.
- إذا ذكر طالب ضغطًا حقيقيًا في البيت، تكلّم معه على انفراد ووجّهه لجهة مختصة إن لزم.
- النطق: خَبّاب بن الأَرَتّ، عُقْبة بن أبي مُعَيْط، سُمَيّة، ابن الدُّغُنَّة.
