اتفاقٌ مكتوب
جرّبت قريش السخرية والتهديد والتعذيب. وقد أسلم حمزة وعمر رضي الله عنهما، وصار بعضُ المؤمنين في أمانٍ بالحبشة. فلجأ زعماء قريش إلى أمرٍ جديد: أن يُضيِّقوا على أسرة النبي ﷺ كلّها.
وجاء في روايةٍ في صحيح البخاري أنّ قريشًا وقبيلة كِنانة تحالفتا على بني هاشِم وبني المُطَّلِب، وهم عشيرة النبي ﷺ وأقرب الناس إليها: فلا يُزوِّجونهم ولا يتزوّجون منهم، ولا يبيعونهم ولا يشترون منهم، حتى يُسلِّموا إليهم النبي ﷺ. البخاري ١٥٩٠
كانت هذه مقاطعة. وقد أصابت العشيرة كلّها، لا المسلمين وحدهم. فكثيرٌ من بني هاشم لم يؤمنوا بالإسلام، لكنهم مع ذلك أبَوا أن يُسلِّموا واحدًا منهم. وكان أبو طالِب، الذي لم يُسلِم قطّ، في المقدّمة يحمي ابن أخيه. البخاري ٣٨٨٣
سنواتٌ في الشِّعب
يذكر المؤرخونيذكر المؤرخون أنّ العشيرتين اجتمعتا في وادٍ بمكة يُعرَف بـ«شِعْب أبي طالب»، وبقيتا فيه تحت المقاطعة نحو ثلاث سنوات. وكان الطعام صعبَ المنال، فعانى الناس جوعًا حقيقيًّا. وفي النهاية، استحيا رجالٌ من قريش تربطهم قرابةٌ بالعشيرتين مما كان يُفعَل، فتعاونوا حتى أنهَوا المقاطعة. ابن كثير، البداية والنهاية، نقلًا عن ابن إسحاق
ولم ينسَ النبي ﷺ المكان الذي عُقد فيه ذلك الاتفاق. فبعد سنوات، حين عاد إلى مكة منتصرًا، ثم في حجّة الوداع، قال: «مَنْزِلُنَا غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ»، أي حيث تعاهدوا على الكفر. البخاري ١٥٨٩البخاري ٣٨٨٢البخاري ١٥٩٠ فالمكان الذي شهد عزلَ أهله صار المكانَ الذي نزل فيه منتصرًا.
خديجة
ولم يمضِ وقتٌ طويل على انتهاء المقاطعة حتى فقد النبي ﷺ أقربَ الناس إليه: تُوفّيت خَدِيجة رضي الله عنها في مكة، قبل الهجرة إلى المدينة بنحو ثلاث سنوات. البخاري ٣٨٩٦
كانت زوجته نحو خمسٍ وعشرين سنة. وكانت أوّلَ مَن آمن به، وهي التي زمّلته وطمأنته بعد أوّل الوحي، وهي أمُّ أولاده. وذات مرّة، وهي ما تزال حيّة، أتى جِبْرِيلُ عليه السلام النبيَّ ﷺ فقال: «هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلاَمَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لاَ صَخَبَ فِيهِ وَلاَ نَصَبَ». والقَصَب هنا: اللؤلؤ المجوَّف، والصَّخَب: الضجيج، والنَّصَب: التعب. البخاري ٣٨٢٠
حبٌّ لم يذبل
لم يتوقّف النبي ﷺ عن ذكرها. فقد ذكرت عائِشة رضي الله عنها، التي تزوّجها بعد ذلك، أنه كان يُكثر من ذكر خديجة حتى غارت منها، مع أنها لم ترَها قطّ. وكان إذا ذبح شاةً قطّعها، ثم أرسل منها إلى صديقات خديجة. فإذا عاتبته عائشة قال: «إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ»، أي كانت كذا وكذا من الخير. البخاري ٣٨١٨ وفي روايةٍ أخرى قال: «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا». مسلم ٢٤٣٥
وبعد سنوات، استأذنت هالَة أختُ خديجة في الدخول، وكان صوتها في الاستئذان يشبه استئذان خديجة تمامًا، فتأثّر النبي ﷺ وقال: «اللَّهُمَّ هَالَةَ». البخاري ٣٨٢١
«خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ»
أبو طالب
وفي الفترة نفسها، مرض عمّه أبو طالب حتى حضرته الوفاة. وكان أبو طالب قد ربّاه صغيرًا، وحماه سنواتٍ في مكة. وقد قال العَبّاس رضي الله عنه للنبي ﷺ مرّةً عن أبي طالب: «فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ»، أي كان يحميك ويغضب من أجلك. البخاري ٣٨٨٣
ودخل النبي ﷺ على عمّه وهو على فراش الموت، وكان عنده أبو جَهْل وعبد الله بن أبي أُمَيَّة. فقال له النبي ﷺ: «أَيْ عَمِّ، قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ»، أي: أشهدُ لك بها وأدافع عنك عند الله. لكنّ الرجلين ظلّا يقولان: «يَا أَبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟»، أي: أتترك دين عبد المُطَّلِب؟ فكان آخرَ ما قاله أنه على ملّة عبد المطّلب. البخاري ٣٨٨٤
كان النبي ﷺ يحبّ عمّه، ويتمنّى بشدّة أن يؤمن. فأنزل الله تعالى:
وهذا درسٌ صعب، لكنه مهم: نستطيع أن نحبّ الناس، وندعوهم إلى الخير، وندعو لهم، ونُحسن إليهم. لكننا لا نستطيع أن نضع الإيمان في قلب أحد. فالهداية بيد الله وحده. البخاري ٣٨٨٤
عام الحزن
سمّى كُتّاب السيرة من المسلمين فيما بعد هذه المدّة «عامَ الحُزْن». ففي وقتٍ قصير، فقد النبي ﷺ زوجتَه، أوّلَ المؤمنين وأكبرَ سندٍ له في بيته، وعمَّه الذي كان يحميه بين العشائر. وصار بإمكان قريش أن تؤذيه علانيةً أكثر من قبل.
لقد حزن، ولم يكن حزنه ضعفًا؛ فالحزن عند فقد الأحبّة أمرٌ إنساني. والمهمّ هو ما يفعله الإنسان بحزنه: لقد ظلّ يصلّي، ويتوكّل على الله، ويمضي في طريقه. وسيُريك الفصل التالي مباشرةً إلى أين مضى.
أربعة أسئلة سريعة
مصادر هذا الفصل
- القرآن الكريم: القصص: ٥٦.
- صحيح البخاري ١٥٨٩ و١٥٩٠ و٣٨٨٢ (اتفاق المقاطعة وخَيف بني كنانة)، و٣٨١٥ (خير النساء)، و٣٨١٨ و٣٨٢١ (تذكُّر خديجة)، و٣٨٢٠ (السلام على خديجة)، و٣٨٨٣–٣٨٨٤ (حماية أبي طالب ووفاته)، و٣٨٩٦ (وفاة خديجة قبل الهجرة بثلاث سنين).
- صحيح مسلم ٢٤٣٥ («إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا»).
- المؤرخون: ابن كثير، البداية والنهاية، «ذكر نقض الصحيفة»، نقلًا عن ابن إسحاق (الشِّعب ونهاية المقاطعة).
للمعلّم: درس في ٤٥ دقيقة افتح
في نهاية الدرس يستطيع الطلاب أن: يشرحوا ما المقاطعة ومَن أصابت؛ ويصفوا كيف أكرم النبي ﷺ خديجة؛ ويشرحوا آية القصص (٥٦) بكلماتهم.
الكلمات المفتاحية: المقاطعة، الشِّعب، عام الحزن.
| الخطوة | الدقائق | ما يحدث |
|---|---|---|
| التمهيد | ٥ | اسأل: «كيف ستكون حالكم لو رفض كلُّ متجرٍ في مدينتك أن يبيع لأسرتك؟» |
| الكلمات المفتاحية | ٥ | علّم: المقاطعة، والشِّعب، وعام الحزن. |
| القصة | ١٥ | اقرأ المشاهد ١ و٤ و٥. ويكتب الطلاب قائمةً بكل ما قدّمته خديجة للنبي ﷺ في الفصول ٣ و٤ و٩. |
| القرآن | ٨ | استمعوا إلى سورة القصص، الآية ٥٦، عبر زر «استمع إلى التلاوة». ثم ناقشوا بلطف: نحن ندعو، والله يهدي. |
| فكِّر وناقِش | ٨ | «تذكَّرْ مَن وقفوا معك»: يكتب كلّ طالب رسالة شكرٍ لشخصٍ ما. |
| بطاقة الخروج | ٤ | «اختبر نفسك»، الأسئلة ١–٤. |
نسخة الثلاثين دقيقة: اقرأ المشاهد من ٤ إلى ٦ فقط.
ملاحظات للمعلم
- الثابت في الصحيح: عقد قريش وكنانة على بني هاشم وبني المطلب (البخاري ١٥٩٠). أما مدة الحصار (نحو ثلاث سنوات) والشِّعب وأكل الأرضة للصحيفة فمن روايات أهل السير (ابن إسحاق)، فتُذكر منسوبة إليهم.
- تسمية «عام الحزن» اصطلاح متأخر من كتب السيرة، لا من الحديث.
- حديث أبي طالب (البخاري ٣٨٨٤): ركّز على محبة النبي ﷺ لعمه وحرصه على هدايته وعلى معنى الآية، ولا داعي للتفصيل في مصيره مع هذه الفئة العمرية إلا إذا سأل الطلاب.
- النطق: شِعب أبي طالب، خَيف بني كِنانة، هالة بنت خويلد.
