مَن يُؤْوِيني؟
قالت مكةُ: لا. وقالت الطائفُ: لا. لكنّ العرب كانوا يأتون كلَّ عام من أنحاء الجزيرة العربية إلى مكة للحج، وإلى الأسواق الكبيرة القريبة منها. فخرج إليهم النبيُّ ﷺ.
روى جابرُ بن عبد الله رضي الله عنه أنّ النبيَّ ﷺ ظلّ سنواتٍ يتتبّع الناس في منازلهم في سوقَي عُكَاظ ومَجَنَّة، وفي موسم الحج بمِنى، يسألهم: مَن يُؤويه وينصره حتى يبلّغ رسالةَ ربّه؟مسند أحمد ١٤٤٥٦ · ابن حجر: حسن؛ الحاكم: صحيح
وكانت القبائل تردّه قبيلةً بعد قبيلة، وهو ماضٍ لا يتوقّف.
مدينةٌ مُتعَبة
وفي الشمال البعيد كانت مدينةُ نخيلٍ اسمها يَثْرِب. وكانت قبيلتاها العربيتان الكبيرتان، الأَوْس والخَزْرَج، تتقاتلان منذ سنوات. ابن هشام، السيرة ١/٤٣٥
وقد بيّنت عائشةُ رضي الله عنها فيما بعد أنّ يوم بُعَاث، وهو آخر حروبهم الكبرى، ترك زعماءهم متفرّقين، وقُتل كثيرٌ من ساداتهم أو جُرحوا. وقالت: «كَانَ يَوْمُ بُعَاثَ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ»، لأنه هيّأهم لقبول الإسلام. البخاري ٣٧٧٧ كانت مدينةً متعبةً ممزّقة، مستعدّةً لمن يجمع شملَ أهلها.
البيعة الأولى
يذكر المؤرخونيذكر المؤرخون أنّ نفرًا قليلًا من أهل يثرب استمعوا إلى النبيِّ ﷺ في أحد مواسم الحج فآمنوا، ثم عادوا في العام التالي ومعهم آخرون. ابن هشام، السيرة ١/٤٣٥ وكان عُبَادَة بن الصَّامِت رضي الله عنه واحدًا منهم، وقد ذكر أنّ اثني عشر رجلًا أعطَوا البَيْعَة للنبيِّ ﷺ في مكانٍ يُسمّى العَقَبَة، قرب مِنى. مسند أحمد ٢٢٧٥٤ · الأرناؤوط: صحيح
وذكر عُبادة ما تعاهدوا عليه: البخاري ٣٨٩٢
- أن يعبدوا الله وحده، ولا يُشركوا به شيئًا
- ألّا يسرقوا
- ألّا يزنوا (أي: ألّا تكون لهم علاقةٌ خارج الزواج)
- ألّا يقتلوا أولادهم
- ألّا يختلقوا الأكاذيب والتُّهَم على الناس
- ألّا يعصوه في أيّ أمرٍ بالخير
تأمّل هذه القائمة: بندٌ واحد فقط عن العقيدة، وكلُّ البنود الأخرى عن طريقة معاملتك للناس. ففي الإسلام يسير الإيمانُ وحُسنُ الخُلُق معًا.
معلِّمان
كان المؤمنون الجدد يحتاجون إلى مَن يعلّمهم. يذكر المؤرخونيذكر المؤرخون أنّ النبيَّ ﷺ أرسل معهم مُصْعَب بن عُمَيْر ليعلّمهم القرآن ويشرح لهم الإسلام، وأنه نزل عند أَسْعَد بن زُرَارَة رضي الله عنه. ابن هشام، السيرة ١/٤٣٥
وتذكّر البَرَاء بن عَازِب رضي الله عنه، وقد نشأ في يثرب: «أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ»، أي: يعلّمانهم القرآن. البخاري ٣٩٢٥ وكان ابنُ أمِّ مكتوم أعمى، وقد أنزل الله فيه من قبلُ أوّلَ سورة عَبَسَ الترمذي ٣٣٣١ · إسناده صحيح، وها هو الآن من أوائل معلّمي الإسلام في المدينة.
وقال النبيُّ ﷺ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ».البخاري ٥٠٢٧ وفي عامٍ واحد، أعان تعليمُ مصعبٍ على انتشار الإسلام في يثرب من بيتٍ إلى بيت.
البيعة الثانية
وفي العام التالي جاءت جماعةٌ أكبر بكثير. فقد ذكر جابرٌ، وكان حاضرًا، أنّ سبعين رجلًا جاؤوا من يثرب، وتواعدوا مع النبيِّ ﷺ على اللقاء في شِعْب العَقَبَة، فاجتمعوا هناك رجلًا رجلًا، أو رجلين رجلين. مسند أحمد ١٤٤٥٦ وحضرت أيضًا امرأتان: نُسَيْبَة بنت كَعْب، المعروفة بأمِّ عُمَارَة، وأسماء بنت عَمْرو، المعروفة بأمِّ مَنِيع، رضي الله عنهما. ابن حجر، فتح الباري ٧/٢٦١–٢٦٢
وكان العهد هذه المرة أكبر. ففي رواية جابر، بايعوه: مسند أحمد ١٤٤٥٦
- على السمع والطاعة، في النشاط وفي التعب
- على الإنفاق في سبيل الله، في الشدّة وفي الرخاء
- على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
- على أن يقولوا الحقَّ لله، لا يخافون لومةَ أحد
- على أن يحموا النبيَّ ﷺ إذا قدم إليهم، كما يحمون أنفسهم وزوجاتهم وأولادهم
وما جزاؤهم؟ الجنّة.
مهلًا يا أهلَ يثرب!
وقبل أن يمدّ أحدٌ يدَه للبيعة، أخذ أَسْعَد بن زُرَارَة، وكان من أصغرهم سنًّا، بيدِ النبيِّ ﷺ وأوقفهم، وقال لهم ما معناه: مهلًا يا أهلَ يثرب! ثم ذكّرهم بثمن هذا العهد: ستعاديهم العربُ كلُّها، وقد يُقتل خيرةُ رجالهم، وتنالهم السيوف. وخيّرهم: فإمّا أن يصبروا على ذلك، فأجرُهم على الله، وإمّا أن يخافوا على أنفسهم، فليقولوا ذلك الآن، فيكون ذلك عذرًا لهم عند الله. مسند أحمد ١٤٤٥٦
فأجابوه بأنهم لن ينقضوا هذه البيعة أبدًا. ثم مدّوا أيديهم، واحدًا بعد واحد، فبايعوا.
أراد أسعد أن يفهموا العهد قبل أن يقطعوه. فالوعد ليس مجرّد كلمات. يقول الله تعالى: ﴿وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا﴾الإسراء: ٣٤
أرضٌ ذاتُ نخل
قال النبيُّ ﷺ: «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ» (وَهَلِي: ظنّي). البخاري ٣٦٢٢
وبدأ المؤمنون في مكة يخرجون إلى يثرب خِفيةً، في جماعاتٍ صغيرة، والنبيُّ ﷺ ينتظر إذنَ الله. البخاري ٣٩٠٥ وقالت أمُّ سَلَمَة فيما بعد عن زوجها أبي سَلَمَة رضي الله عنهما: «أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ». مسلم ٩١٨
وأهلُ يثرب الذين استقبلوهم سيُعرَفون قريبًا باسمٍ جديد. فقد سُئل أنسٌ رضي الله عنه: «أَرَأَيْتَ اسْمَ الأَنْصَارِ كُنْتُمْ تُسَمَّوْنَ بِهِ، أَمْ سَمَّاكُمُ اللَّهُ؟» فقال: «بَلْ سَمَّانَا اللَّهُ». البخاري ٣٧٧٦
بيتٌ في زمن التحوّل
وفي هذه السنوات نفسها تغيّرت أسرةُ النبيِّ ﷺ. فطوالَ حياة خَدِيجَة رضي الله عنها لم يتزوّج غيرَها. مسلم ٢٤٣٦
وبعد وفاتها تزوّج سَوْدَة بنت زَمْعَة رضي الله عنها، وكانت أرملةً قد مات عنها زوجها. ويوضّح ابنُ حجر أنها عاشت معه زوجةً في مكة. ابن حجر، فتح الباري ٩/٢٢٣–٢٢٤
وعقد كذلك على عائشة، ابنةِ أقرب أصدقائه أبي بكر رضي الله عنه. وفي روايتها هي، كان العقد في مكة قبل الهجرة، أمّا حياتهما الزوجية فبدأت بعد ذلك في المدينة. البخاري ٣٨٩٤ وقد كبرت عائشة لتصبح من أعظم علماء الإسلام، وستلتقي بها مرّاتٍ كثيرة في الكتابين الثاني والثالث.
أربعة أسئلة سريعة
مصادر هذا الفصل
- القرآن الكريم: آل عمران: ١٠٣؛ الإسراء: ٣٤.
- صحيح البخاري ٣٦٢٢ (رؤيا الأرض ذات النخل)، ٣٧٧٦ (اسم الأنصار)، ٣٧٧٧ (يوم بُعاث)، ٣٨٩٢ (عُبادة: بنود البيعة الأولى)، ٣٨٩٤ (رواية عائشة)، ٣٩٠٥ (هجرة المؤمنين)، ٣٩٢٥ (البراء: أوّل المعلّمين)، ٥٠٢٧ (تعلُّم القرآن وتعليمه).
- جامع الترمذي ٣٣٣١ (ابن أمّ مكتوم وسورة عبس؛ الألباني: إسناده صحيح).
- صحيح مسلم ٩١٨ (أمّ سلمة: أوّل بيت هاجر)، ٢٤٣٦ (لم يتزوّج على خديجة في حياتها).
- مسند أحمد ١٤٤٥٦ (جابر: طلبُ الإيواء والنصرة، والسبعون رجلًا، وتحذير أسعد؛ ابن حجر: حسن؛ الحاكم: صحيح) و٢٢٧٥٤ (عُبادة: الاثنا عشر رجلًا؛ الأرناؤوط: صحيح).
- المؤرخون والشُّرّاح: ابن هشام، السيرة النبوية ١/٤٣٥ (إرسال مصعب، والأوس والخزرج)؛ ابن حجر، فتح الباري ٧/٢٦١–٢٦٢ (المرأتان) و٩/٢٢٣–٢٢٤ (سودة).
للمعلّم: درس في ٤٥ دقيقة افتح
في نهاية الدرس يستطيع الطلاب أن: يقارنوا بين بيعتَي العقبة؛ ويشرحوا لماذا أوقف أسعد بن زُرارة البيعة؛ ويصفوا مَن هم الأنصار والمهاجرون.
الكلمات المفتاحية: البَيْعَة، العَقَبَة، الأنصار، المهاجرون.
| الخطوة | الدقائق | ماذا يحدث |
|---|---|---|
| التمهيد | ٥ | اسأل: «ما أكبرُ وعدٍ قطعتَه في حياتك؟» |
| الكلمات المفتاحية | ٥ | علِّم: البَيْعة، والعَقَبة، والأنصار، والمهاجرون. |
| القصة | ١٥ | اقرأ المشاهد ٣ و٥ و٦. يرسم الطلاب جدولًا من عمودين: البيعة الأولى / البيعة الثانية. |
| القرآن | ٨ | استمعوا إلى آل عمران: ١٠٣ عبر زر «استمع إلى التلاوة»، واربطوها بالأوس والخزرج. |
| فكِّر وناقِش | ٨ | «اقطع وعدًا تستطيع الوفاء به»: يكتب كلُّ طالب وعدًا صغيرًا واحدًا. |
| بطاقة الخروج | ٤ | اختبر نفسك، الأسئلة ١–٤. |
نسخة الثلاثين دقيقة: اقرأ المشهدين ٥ و٦ فقط.
ملاحظات للمعلم
- حديث جابر في العقبة (أحمد ١٤٤٥٦): حسّن ابن حجر إسناده في الفتح (٧/٢٦٣) وصححه الحاكم وابن حبان. وحديث عبادة (أحمد ٢٢٧٥٤) صححه الأرناؤوط بمجموعه.
- إرسال مصعب ونزوله على أسعد بن زرارة من رواية ابن إسحاق، أما قدوم مصعب وابن أم مكتوم وتعليمهما القرآن فثابت (البخاري ٣٩٢٥).
- فقرة بيت النبي ﷺ: الكتاب يذكر أن العقد على عائشة كان بمكة قبل الهجرة وأن البناء كان بالمدينة (البخاري ٣٨٩٤) دون ذكر السن في نص الطالب. إن سأل الطلاب عن السن فأجب بهدوء بما في الصحيح، مع بيان اختلاف أعراف الزمان، ودون جدال.
- في البيعة الأولى «ولا تزنوا»: تُشرح بأنها العلاقة خارج الزواج، دون تفصيل.
- النطق: يَثرِب، الأوس والخزرج، بُعاث، العَقَبة، أسعد بن زُرارة، نُسيبة بنت كعب، أم مَنيع.
